حرب العقول الرقمية: صراع الخوارزميات على الهيمنة والسيطرة

حرب العقول الرقمية: صراع الخوارزميات على الهيمنة والسيطرة

+A -A
  • 4-03-2025, 12:44
  • 777 مشاهدة
  • اراء ومقابلات

كتب.. أشرف كريم 

في قلب كل ضغطة زر، خلف كل صفحة تُحمَّل في لحظات، وفي خوارزمية توصية تقودك إلى فيلم لم تكن تعرف أنك تحتاج إلى مشاهدته، هناك صراع شرس يدور في الخفاء. إنه صراع الخوارزميات، حرب غير مرئية بين الأكواد التي تسعى للهيمنة على البيانات، تحقيق الدقة القصوى، والسيطرة على انتباه المستخدمين.

في عام 2019، أجرت جوجل أكثر من 3200 تعديل على خوارزمية البحث الخاصة بها، أي ما يعادل ما يقرب من تسعة تغييرات يوميًا. الهدف؟ تحسين نتائج البحث، القضاء على المحتوى منخفض الجودة، وضمان بقاء المستخدمين داخل منظومتها. لكن الصراع لم يكن بين خوارزميات جوجل فحسب، بل بين جوجل نفسها ومنصات أخرى تحاول كسر هيمنتها، مثل بينج وياهو، وحتى محركات البحث المستقلة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاولة تقديم تجربة بحث أكثر حيادية.

على الضفة الأخرى، تخوض منصات التواصل الاجتماعي معركة من نوع مختلف. فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، تويتر، كلها متورطة في سباق تسليح رقمي هدفه الأسمى هو إبقاؤك داخل التطبيق لأطول وقت ممكن. تشير الإحصائيات إلى أن خوارزميات التوصية في يوتيوب مسؤولة عن 70% من المحتوى الذي يشاهده المستخدمون. على تيك توك، ترتفع النسبة إلى 90%، ما يعني أن المستخدم لا يختار فعليًا ما يشاهده، بل الخوارزميات هي التي تختار له، بناءً على أنماط سلوكه وتفاعلاته السابقة.

لكن الصراع لا يتوقف عند التوصيات والترتيب، بل يمتد إلى الإعلانات في عام 2021، بلغت عائدات الإعلانات الرقمية المدفوعة بالخوارزميات أكثر من 455 مليار دولار، حيث تتنافس جوجل وفيسبوك وأمازون على جذب المعلنين عبر أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل مليارات البيانات الشخصية يوميًا لتقديم الإعلان المناسب للشخص المناسب في اللحظة المناسبة على سبيل المثال، خوارزميات فيسبوك يمكنها التنبؤ بسلوك الشراء بنسبة دقة تصل إلى 80%، مما يمنحها قدرة غير مسبوقة على استهداف المستخدمين وتحقيق عوائد ضخمة.

في الجانب الأكثر خطورة من هذا الصراع، تظهر معضلة “التحيز الخوارزمي”، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعكس تحيزات البيانات التي دُرب عليها. دراسة أجرتها MIT عام 2018 أظهرت أن أنظمة التعرف على الوجه التي تستخدمها كبرى شركات التكنولوجيا كانت دقيقة بنسبة 99% عند تحليل صور الرجال البيض، لكنها سجلت نسبة خطأ بلغت 34% عند تحليل صور النساء ذوات البشرة الداكنة. هذا التفاوت يطرح أسئلة أخلاقية حول مدى عدالة الخوارزميات، ومدى تأثيرها على قرارات مثل التوظيف، الإقراض، وحتى الأحكام القضائية في بعض الدول التي بدأت باستخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم المجرمين المحتملين.

وبعيدًا عن الإنترنت، يخوض الذكاء الاصطناعي معركة أخرى في مجال الأسواق المالية. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% من التداولات في أسواق المال تتم عبر خوارزميات قادرة على تحليل الأخبار، التنبؤ بالتقلبات، واتخاذ قرارات أسرع بملايين المرات من أي متداول بشري في عام 2010، تسبب خلل في إحدى هذه الخوارزميات في خسارة سوق الأسهم الأمريكي نحو تريليون دولار خلال دقائق قبل أن تستعيد توازنها.

حتى في مجال الصحة، دخلت الخوارزميات إلى ساحات المعركة. خلال جائحة كورونا، اعتمدت المستشفيات على أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل الأشعة السينية وتشخيص الإصابات، حيث تمكنت بعض الخوارزميات من تحقيق دقة تصل إلى 90%، ما ساعد في تسريع قرارات الأطباء وتقليل الضغط على الطواقم الطبية.

لكن، هل لهذا الصراع نهاية؟ الحقيقة أنه لا نهاية له، بل هو سباق مستمر بين من يكتب الأكواد ومن يحاول التفوق عليها. بين من يبني خوارزمية أقوى، ومن يحاول فك شفرتها وبين من يحاول التحكم في تدفق البيانات، ومن يسعى لاستغلالها. في عالم تحكمه الخوارزميات، يصبح الإنسان مجرد متغير في معادلة أكبر، معادلة لا تزال تكتب سطورها يومًا بعد يوم.